السيد محمد حسين الطهراني

52

معرفة الإمام

قال : أمَّا الْعَيْشُ الْهَنِيءُ ، فَهُوَ الذي لا يفتُرُ صَاحِبُهُ عَنْ ذِكْرِي ؛ وَلا يَنسَى نِعْمتى ؛ وَلَا يَجْهَلُ حَقِّي ؛ يَطْلُبُ رِضَأي في لَيْلَهِ وَنَهَارِهِ ! وَأمَّا الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ ، فَهِيَ التي يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ ، حتى تَهُونَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا ؛ وَتَصْغُرَ في عَيْنِهِ ؛ وَتَعْظُمَ الآخِرَةُ عِنْدَهُ ؛ وَيُؤثّرَ هَوَاي على هَوَاهُ ؛ وَيَبْتَغِي مَرْضَأتى ؛ وَيُعَظِّمَ حَقَّ عَظَمتى ، وَيَذْكُرَ عِلْمِي بِهِ ، وَيُراقِبَنِي بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عِنْدَ كُلِّ سَيِّئَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ ؛ وَيَنْقَي قَلْبَهُ عَنْ كُلِّ مَا أكْرَهُ ؛ وَيُبْغِضَ الشَّيْطَانَ وَوَساوِسَهُ ؛ وَلا يَجْعَلَ لإبْلِيسَ على قَلْبِهِ سُلْطَاناً وَسَبِيلًا . فَإذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، أسْكَنْتُ قَلْبَهُ حُبّاً حتى أجْعَلَ قَلْبَهُ لِي ؛ وَفَرَاغَهُ وَاشْتِغَالَهُ وَهَمَّهُ وَحَدِيثَهُ مِنَ النِّعْمَةِ التي أنْعَمْتُ بِهَا على أهْلِ مَحَبَّتِي مِنْ خَلْقِي ! وَأفْتَحَ عَيْنَ قَلْبِهِ وَسَمْعَهُ حتى يَسْمَعَ بِقَلْبِهِ وَيَنْظُرَ بِقَلْبِهِ إلى جَلالى وَعَظَمتى ؛ وَاضَيِّقَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَابَغِّضَ إلَيْه ما فِيهَا مِنَ اللَّذَّاتِ ؛ وَاحَذِّرَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا كَمَا يُحَذِّرُ الرَّاعِي غَنَمَهُ مِنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ . فَإذَا كَانَ هَكَذَا يَفِرُّ مِنَ النَّاسِ فِرَاراً ، وَيُنْقَلُ مِنْ دَارِ الْفَناءِ إلى دَارِ الْبَقَاءِ ؛ وَمِنْ دَارِ الشَّيْطَانِ إلى دَارِ الرَّحْمَنِ . يَا أحْمَدُ ! وَلَا زَيِّنَنَّهُ بِالْهَيْبَةِ ، وَالْعَظِمَةِ ؛ فَهذَا هُوَ الْعَيْشُ الهَنِيءُ وَالْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ ؛ وَهَذَا مَقَامُ الرَّاضِينَ . فَمَنْ عَمِلَ برِضَأي الْزِمُهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ : اعَرِّفُهُ شُكْراً لَا يُخَالِطُهُ الْجَهْلُ ؛ وَذِكْراً لا يُخَالِطُهُ النِّسْيَانُ ؛ وَمَحَبَّةً لَا يُؤْثِرُ على مَحَبَّتِي مَحَبَّةَ الْمَخْلُوقِينَ . فَإذَا أحَبَّني أحْبَبْتُهُ ؛ وَأفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ إلى جَلَالى ؛ وَلَا اخْفي عَلَيْهِ خاصَّةَ خَلْقِي ؛ وَانَاجِيهِ في ظُلَمِ اللَّيْلِ ، وَنُورِ النَّهَارِ ؛ حتى يَنْقَطِعَ حَدِيثُهُ مَعَ الْمَخْلُوقِينَ ؛ وَمُجَالَسَتُهُ مَعَهُمْ ؛ وَاسْمِعُهُ كَلَامِي وَكَلَامَ مَلَائِكَتِي ؛ وَاعَرِّفُهُ السِّرَّ الذي سَتَرْتُهُ عَنْ خَلْقِي ؛ وَالْبِسُهُ الْحَيَاءَ حتى يَسْتَحْيِيَ مِنْهُ